يكثر الحديث في وسائل الإعلام الأمريكية مؤخراً عن قضية إدمان مسكنات الأفيون في أوساط المجتمع. فما هي طبيعة هذه المادة وما هي استخداماتها الطبية؟ وما هو دور شركات الأدوية في زيادة انتشار حالاتها الإدمانية في أمريكا؟ هذا المقال يضع النقاط على الحروف لإجابة عدد من التساؤلات الهامة.
ما هو الأفيون؟
تعتبر مادة الأفيون أو الـ(Opioid) مجموعة أدوية توصف طبياً لتخفيف الآلام. استخدام هذه المسكنات قد يؤدي إلى الإدمان الجسدي والإفراط فيها مما قد يسبّب التسمم والوفاة لا قدر الله. تُعتبر مادة الأفيون من أقدم المواد المخدرة المعروفة لدى البشر حيث تُستخلص هذه المادة طبيعياً من نبتة أوبيوم بوبي (Opium Poppy). وكان أول ذِكرٍ لاستخدام تلك النبتة موجوداً في نقوش السومريين (3 آلاف عام قبل الميلاد)، فقد كان السومريون يستخدمونها لتأثيرها العقلي في مناسباتهم الدينية والروحية آنذاك حيث أطلقوا عليها مسمى نبتة السعادة.
وخلال العصور المختلفة، بدأ استخدام هذه النبتة طبياً بشكل جزئي لتخفيف الآلام، ولكن اختلاف تركيز المادة في النباتات (بسبب تغير عامل التربة والمناخ) أدى إلى وجود إشكالية حقيقية في ضبط الجرعة للمريض.
الأفيون في العصر الحديث
في العصر الحديث، كان استخلاص مركب المورفين من نفس نبتة الأوبيوم على يد الصيدلي الألماني فريدريك سرترنر (Friedrich Sertürner) في 1805 بداية عصرٍ جديد في استخدام هذه المادة المخدرة. فقد كان المورفين، وهو من مجموعة الأفيون، مادة سائلة تذوب في الماء مما يسهل ضبط جرعتها وتوقع نتائجها على المريض. ومع نشوب الحروب العالمية، زادت أهمية المورفين لدوره الفعال في تخفيف آلام المصابين في الحروب.
وحتى فترة الثمانينات من القرن الماضي، بقيَ استخدام هذه المادة طبياً مقصوراً بشكل أساسي على الجرّاحين لتخفيف آلام ما بعد الجراحة وعلاج آلام السرطان. ولكن خلال فترة الثمانينات والتسعينات، تزايدت الأصوات والمطالبات باستخدام مسكنات الأفيون لتخفيف الآلام المزمنة بشكل عام. وظهرت الدراسات وأقيمت الندوات لإقناع المجتمع الطبي بأن فعالية تلك المواد على المدى الطويل تتجاوز مخاطرها الإدمانية. وكان من أشهر المناصرين لرأي تلك الحملة الطبيب رسل برتوني (Russell Portenoy) والذي قام بإجراء دراسة في الثمانينات تدعم نتائجها استخدام تلك المسكنات لعلاج الآلام المزمنة.
وبنهاية التسعينات، ظهرت منظمات طالبت بحقوق المرضى بأحقية حصولهم على تلك الأدوية حيث كان من أشهرها منظمة الألم الأمريكية (American Pain Foundation). وبدأت الحملات الإعلانية عبر الصحف والمجلاّت لتسويق تلك الأدوية مما شكل ضغطاً على الأطباء في تلك الفترة لوصف أدوية الأفيون للمرضى. أدى هذا الإقبال إلى تضاعف مبيعات هذه الأدوية ٤ مرات في الولايات المتحدة ما بين عامي 1999 و 2011. وزاد عدد الوصفات الطبية لأدوية الأفيون من 142 مليوناً إلى 248 مليونٍ في نفس الفترة.
وبنهاية التسعينات وبداية الألفية، ظهرت العديد من الأدوية لنفس المجموعة الدوائية، حيث كان من أشهرها مبيعاً في الولايات المتحدة دواء الأوكسيكودون والمعروف تجارياً باسم (OxyContin).
نتيجة لذلك التزايد في الاستخدام، تفاقمت حالات الإفراط في استخدام تلك الأدوية الموصوفة من الطبيب، فزادت حالات الإدمان وكذلك الوفيات الناتجة بسببها عدة أضعاف في عام 2011 عما كانت عليه في عام 1999. وتشير الدراسات أن 80٪ من مستخدمي الهيروين الجدد قد بدأوا رحلتهم الإدمانية من إساءة استخدام مسكنات الأفيون الموصوفة طبياً. وتصل كلفة إساءة استخدام تلك المسكنات إلى 72 مليار دولارٍ في العام الواحد حسب إحصائيات مركز مكافحة الأمراض الأمريكية (CDC).
وماذا عن دور شركات الأدوية؟
مع تزايد الحالات السلبية الناتجة عن استخدام مسكنات الأفيون، زاد تسليط الإعلام والمجتمع الطبي على دراسة فعالية تلك الأدوية. ويُعد التقرير الصحفي المنشور في مجلة (ProPublica) الإلكترونية في عام 2011 من أشهر المقالات التي ناقشت دور شركات الأدوية في زيادة استخدام مواد الأفيون. حيث أظهر التقرير بأن منظمة الألم الأمريكية لم تفصح عن تبرعات مالية بقيمة ٥ مليون دولار أمريكي كانت قد تلقّتها من بعض الشركات الطبية ذات العلاقة وهو ما يوازي 90% من ميزانيتها في عام 2010. كذلك نُشر حديثاً في مجلة (American Journal of Health System Pharmacy) الصيدلانية مقالة تناقش عدم إفصاح الطبيب بورتوني عن ارتباطه بـ 12 شركة دوائية من ضمنها شركات ذات علاقة بصناعة أدوية الأفيون أو بعض الأدوات الطبية اللازمة لاستخدامه أثناء قيامه بأحد دراساته في عام 1980.
الجدير بالذكر، بأن منظمة الألم الأمريكية قد تعرضت للاستجواب من مجلس النواب الأمريكي في عام 2012 وهو نفس العام الذي أعلنت فيه المنظمة إفلاسها. وفي نفس الفترة تقريباً ذكر الطبيب برتوني في مقالة له في عام 2012 أنه أخطأ في تقديره في تصور حجم المشكلة الإدمانية التي قد تنتج عن استخدام الافيون. وأخيراً، وقبل عدة أيام، رُفعت عدة قضايا تجاه شركة بوردو فارما (Purdue Pharma) المصنعة لدواء OxyContin بسبب ممارساتها التسويقية لدوائها في ولاية إلينوي ونيويورك وكولورادو والتي أدت إلى زيادة حالات الإدمان على هذا الدواء. المثير في الموضوع، أن ريتشارد ساكلر (Richard Sackler) رئيس مجلس إدارة شركة بوردو السابق قد أصدر مؤخراً براءة اختراعٍ لدواء جديدٍ واعد يحدُّ من الآثارِ الإدمانية لدواء شركته السابقة!
في 2016، ونتيجةً للكثير من إعادة تنظيم عملية وصف تلك الأدوية، أظهرت التقارير الأمريكية انخفاض معدلات استخدام مسكنات الأفيون طبياً منذ عام 2011. ولكن على الرغم من ذلك، مازالت معدلات الوفاة بالتسمم من تلك الأدوية أكثر بقرابة 4 أضعاف عما كانت عليه في عام 1999.
ملاحظة
هذه المقالة لا تحث بأي شكل من الأشكال على منع استخدام مسكنات الأفيون، ولكنها تحكي قصةً أعتقد من الواجب على جيل الأطباء والصيادلة الجدد الإحاطة بها. وعلى الرغم من أن كل ما ذكر في هذه المقالة موثّق المصادر، إلا أن هناك دائما عدة وجوه للحقيقة. ولكن هذا ما أعتقده صحيحاً حتى لحظة كتابة هذا المقال.
References
- Meier, B. (2003). Pain killer: A” wonder” drug’s trail of addiction and death. Rodale.
- Baucus & Grassley (2012). Opioid Investigation Letter to American Pain Foundation.
- Stratton, T. P., Palombi, L., Blue, H., & Schneiderhan, M. E. (2018). Ethical dimensions of the prescription opioid abuse crisis. American Journal of Health-System Pharmacy, 75(15), 1145-1150.
- Charles O. (2011). The Champion of Painkillers. ProPublica.
(عدد الزوار 234 , 1 زائر اليوم )




Thank you dr Abdullah for the valuable information.
You are very welcome 😀
ابدعت في سردك للمعلومات يا دكتور ��
الله يعطيك العافية وشكرا على المرور يا عامر
معلومات جدا جميله ورائعه دكتور خصوصا السرد التاريخي والذي بين ماهية هذه الماده الطبيه .. موفق دكتور عبدالله
شكرا على مرورك اخي عبدالاله وسعيد بأن المقال نال على استحسانك
سرد معلوماتي ممتع ومطعّم بلغة الأرقام الجميلة
أحسنت