إن المتأمل للوسط الإعلامي الأمريكي في السنوات الأخيرة، يلحظ تأكيدا مستمرا من قبل الساسة والإعلاميين على أهمية الحرية في الدولة الديمقراطية الأقدم في العالم الجديد. وتزايد هذا الخطاب حتى صار كليشيهاتاً وردوداً معلبة لإسكات أي رأي وضد أي تصرف يتنافى مع هدف المكينة الإعلامية الضخمة. لدرجة يتخيل معها المتابع للوضع الأمريكي على وجه الخصوص بأن الحرية منتج أمريكي لم تعرفه الإنسانية قبل ذلك. فكيف تحولت الحرية من مفهوم فلسفي إنساني قديم باهت المعالم إلى شيء ملموس محسوس له قيمة فعلية تزيد وتنقص حسب نظرية العرض والطلب؟
لا أعرف جواباً قاطعا لذلك… لكني سأسرد نظرتي للأحداث من واقع مشاهدتي لنقاط تحول تاريخية:
- في حرب الاستقلال الأمريكية (١٧٧٥- ١٧٨٣)، كانت الحرية حاجة لاستقلال شعب المستعمرات الأمريكية من الحكم البريطاني. فبدونها لاتوجد عملياً قضية توحد جميع المستعمرات لفكرة الاستقلال بعيداً عن الحكم البريطاني. فقرر القادة آنذاك شن حرب استقلال كبرى باسم مفهوم الحرية.
- بعد الاستقلال، لم يكن للحرية ثمن مادي وقتها، فأصبحت الحرية توزع بالمجان لكل من عمل لتحقيقها ومن لم يعمل باستثناء السود بلا شك، فقد كان مفهوم الإنسانية قاصراً عنهم.. وفي هذه الفترة، كان مفهوم الحرية اشتراكياً من الناحية الملموسة، حيث سيحصل الجميع على حق متساوٍ من الحرية.
- مع انتشار استخدام مفهوم الحرية في الدولة الناشئة، بدأت تظهر للحرية قيمة مادية ولكن غير محسوسة، فحينما يمتلك الجميع نفس البضاعة، يصبح ثمنها عمليا يساوي صفر (نظرية العرض والطلب). ولكن ذلك بدأ في التغير بشكل تدريجي على مرحلتين، مرحلة داخلية أيام الحرب الأهلية (١٨٦٠-١٨٦٤) ومرحلة خارجية بدخول أمريكا للحروب العالمية.
- في المرحلة الداخلية أيام الحرب الاهلية، كان المال والسياسية ترسان أساسيان لتدوير القرار العسكري. ولكن تلك التروس لم تكن كافية لتحريك آلة الشعب المشغول باستكشاف العالم الجديد. وهنا كان استخدام الحرية كشيء ذا قيمة للمرة الأولى على مستوى الأمة الأمريكية. كان الأمر بالنسبة للمتلقي الأمريكي أشبه بإيجاد الاختلافات العشرة بين صورتين في مجلة سيدتي. ولكن الاختلاف الوحيد الفاضح بين الصورتين كان اختفاء الحرية من إحداهما وحضور صور للبؤس والشقاء في الخلفية عوضا عن ذلك… انتهت الحرب آنذاك باستسلام الجنوب. ولكن هذه المرة لم تعط الحرية كاملة للجميع كما حدث بنهاية حرب الاستقلال. فقد كان لها هذه المرة ثمن لم يستطيع الأحرار الجدد من السود دفع ثمنه بعد.
- أصبح الشعب الأمريكي يؤمن يقينا أن الحرية شيء ذا قيمة، ونعمة عظيمة من الواجب مشاركتها مع من يرتضيه من شعوب الأرض. فدخل المواطن الأمريكي مدفوعا بالتسويق الإعلامي للحرية في حروب عديدة في القرن العشرين. ولكن كما هو الحال مع الحرب الأهلية، لم تكن الحرية إلا وسيلة لتحريك الشعوب. في تلك الفترة، أدركت القيادة أنه كلما ارتفع ثمن الحرية عند الشعب، كلما زادت تضحياته من أجلها.
- فبدأت الدولة تدريجيا باتخاذ استراتيجية رأس مالية مع المنتج الجديد و صارت تلوح بخطورة انقطاع المنتج (الحرية) بسبب هذا الشيء أو ذاك من أحداث الحرب الباردة حتى ارتفع ثمن الحرية فلم تعد سلعة يملك ثمنها الجميع. فالآن، على المواطن أن يقاتل (بغض النظر عن لون جلدته) ويعمل بجهد ضمن حرب رؤوس الأموال الكبيرة وتهجير فرص العمل إلى الخارج ليحصل على حريته. وإن فشل فسيعود إلى جهاز الإعلام. حيث تعاد برمجة تفكيره ليعتقد أن كل شيء يسير على ما يرام ويبدأ المحاولة من جديد أو يموت في مكانه. فليس هناك فرق كبير في الصورة العامة.
- مع مرور السنين والتأكيد على أهمية السلعة المبالغ فيه من قبل بائعيها (الساسة)، صار الشعب يرهب اختلاف الثقافات وتعدد الأديان خوفاً من مشاركة بضاعة الحرية المتضخم ثمنها كسعر سهم ازدادت المضاربة عليه. وكنتيجة حتمية لذلك، ستنفجر فقاعة التضخم يوماً مخلفة الكثير مما يجب تنظيفه. فيعود بعدها سعر الحرية إلى معدل أكثر صحية ليرتفع في المستقبل مرة أخرى.. في حقبة زمنية أخرى ربما.
(عدد الزوار 58 , 1 زائر اليوم )



من مبدأ لملمس. مهارة احسدك عليها