لا يكاد يمر أسبوع لا يظهر فيه خبر في وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث عن حل جديد أو اختراع عبقري يشفي من السرطان أو يداوي مرض الإيدز أو يحرق الدهون المتراكمة. وبما أن الغريق يتعلق بقشة، فلا غرابة أن تجد بعض الناس ينجرف في تصديق هذه الأخبار دون تثبت من صحتها. وما يزيد من مصداقية هذه الأخبار عند العامة، أن يساهم بعض المختصين في المجال بنشر تلك الأخبار بحسن نية. فصانعوا تلك الأخبار يكونون ممن لهم خبرة في أساليب الإقناع في كثير من الأحيان. ومن أشهر حكايات الاحتيال العلمي تاريخياً ما نشر في عام ١٩٩٨ في مجلة لانست البريطانية على يد العالم أندرو واكفيلد، فقد بينت دراسته أن اللقاح الثلاثي (MMR) له علاقة بحدوث مرض التوحد عند الأطفال. وقد صدَّق نتائج دراسته العديدُ من المختصين والكثير من العامة، مما أدى إلى تراجع نسب التطعيم لهذا اللقاح في العاصمة لندن إلى ما يقارب ٧٠٪ في عام ٢٠٠٤. ولم يفق العالم من تلك الخدعة إلا بعد مرور أكثر من ١٠ أعوام. فقد أظهرت نتائج الدراسات أن تلك الأوبئة -التي كان يقي منها اللقاح- قد تزايدت بشكل وبائي مقلق، بينما بقيت أرقام الإصابة بمرض التوحد على حالها. فتم سحب تلك المقالة وإيقاف رخصة الطبيب من الممارسة بعد ما أكدت الأبحاث والمراكز زيف دراساته.
فيما يلي، استقي سبع علامات تتزامن كثيراً مع مقدمي هذا النوع من الأخبار العلمية المزيفة من كتاب voodoo science للعالم روبرت بارك:
- أن يقوم العالم بتقديم اكتشافه لوسائل الإعلام عوضاً عن تقديمها في المحافل العلمية.
- أين يدعى المكتشف أن هناك مؤامرة تحاك لإحباط اكتشافه. كمحاولة اسكاته بأموال مافيا الدواء أو أجهزة استخباراتية غربية.
- التأثير المرجو ذا إثبات ضعيف لا يتجاوز الحديث والكلمات الرنانة وبلا أدلة علمية تبرهن على فعاليته. كأن يقول الإعلان “نتائج مضمونة”، “باستخدام أحدث التقنيات”.. الخ.
- يتم استخدام أدلة غير موضوعية لإثبات فعالية الاكتشاف. كالحديث بشكل علمي عن طريقة نشوء السرطان واستخدام أحدث المراجع حيال الموضوع، ثم تقديم اكتشافه الهزيل والتدليل عليه بأدلة واهنة. فيعتقد المتابع أن دقة معلومات الاكتشاف توازي دقة المعلومات التي سبقته.
- الاستشهاد بموروثات مجتمعية وعقدية للتدليل على صحة الاكتشاف. كاستخدام آيات قرآنية عن العسل أو الزيتون مثلاً للترويج لاكتشافه المشتق منهما.
- أن يعمل المكتشف وفريق العمل الخاص به بمعزل عن المجتمع والمؤسسات العلمية. عملياً، ليس من السهل اختراع دواء حديث أو اكتشاف تأثير جيني من دون أجهزة متفوقة واستثمارات ضخمة، هذا يندر أن يحدث في حديقة البيت الخلفية.
- أن يتطلب تصديق الاكتشاف نقضاً لبعض القوانين العلمية السائدة والمعلومات المتعارف عليها في المجتمع العلمي. كأن يبشر المكتشف بأنه اكتشف دواء جديدا لمرض السكر يعمل على مِسْتَقبلٍ في البنكرياس لم يُسْمَع به قبل تقديم اكتشافه العلمي.
ليس معنى هذا المقال أن نكذب كل جديد، فهذا ينافي سنة الحياة في التطور والتقدم، ولكنه يؤكد على أهمية إعمال العقل في حياتنا اليومية للتثبت من مصداقية الخبر قبل المساهمة في إعادة نشره، وكما يقول د. أحمد توفيق: “العقلية التي تصدق أي اكتشاف، هي عقلية غير قادرة على التوصل لأي اكتشاف”. ختاماً، استفدت كثيراً أثناء كتابة هذا المقال من كتاب د. احمد توفيق “شربة الحج داوود” والذي أتمنى أن تكون قراءته فرض عين على كل طالب في التخصصات الصحية تجاوز سنته الثانية… وربما فرض كفاية على سائر المجتمع.


