البدايات

في عام ٢٠٠٣، وطِئَت قدماي للمرة الأولى أرض بهو جامعة الملك سعود. لم يكن وقتها مزداناً بالأشجار الداخلية والمقاهي العصرية.. كان مبنًى مُضَلعاً شاهقاً، مليئاً بالأبواب والنوافذ خالياً من أي لوحات إرشادية. ولَّد كبر الحجم وإحساس التَيْه بداخلي رعشةً باردة وشعوراً بالضآلة وأنا أرى أفواج الطلبة تجري لمستقر لها في الفراغ الكبير.

اتجهت مباشرةً إلى “البوفيّة” الوحيدة في المكان. طلبتُ قهوةً في كوبٍ ورقيٍّ رخيص ثم بحثتُ عن طاولة خالية لأستعيد رباطةَ جأشي. أخرَجتُ جوالي وقمت بمراسلةِ بعض أصدقاء المرحلة الثانوية لأعرف ماحل بهم في أول يوم دراسي، ولأستمد بعض الدفءِ من منطقة الصداقة الآمنة…ولكن لم يُجب أحد.

سَرَت الرعشة الباردة مرة أخرى، وبشدة لم تَكْفِ معها حرارة الكوب على تخفيفها…عجزت عن التحرك لعدة دقائق، شعرتُ بأني في مسرح كبير يَرْقُبُ فيه الجميع ذلك البائس الجديد… ويتهامسون عنه فيما بينهم مُتَنَبِّئين بحركته القادمة.

رفعتُ ناظريَّ إلى الجموع بحثاً عن أكثر الوجوه أُلفة لأسأله عن مكان القرطاسية أو العمادة…لم أعد أتذكر الآن. اخترتُ فريستي بعناية… شاب هادئ يجلس وحيداً ويرتدي ما يوحي بأنه من أهل الخير يُدوّن بعض الملاحظات. لم يَحْتَج [هو] إلى الكثير من الذكاء ليعرف بأني طالب جديد. سألته عن حاجتي فأخذ بيدي وعلى شفتيه ابتسامة مُطَمْئِنَة، ومخبراً إيايَ أنه سالك ذات الطريق. في حوارنا القصير إلى وجهتنا، حدَّثني بأنه في السنة الأخيرة.. وتمنى لي التوفيق في رحلتي الجامعية مؤكداً بأن كل شيء سيسير على ما يرام. بادلته التحية بالتحية فاختفى سَبْحَاً في فَلَك الجامعة الكبير.

في أسبوع الإجازة الفصلية المنصرم، جلست في ذات البهو.. وذات الطاولة.. حاملاً كوبَ قهوةٍ ليس رخيصاً
هذه المرة.. مستشعراً رهبة العمل الجديد في البيئة القديمة… ومستعيداً بعين الذكريات وحماسة البدايات مقولة الرجل الخيِّر…بأن كل شيء سيسير على ما يرام.

 

(عدد الزوار 223 , 1 زائر اليوم )

تعليق واحد

  1. آسيه الميمني - الكويت 20 ديسمبر 2019 في 12:17 ص

    ماشاءالله مدونة رائعة ومقالات بأسلوب سهل و مشوق .. شكراً دكتور استفدت جداً من خبراتكم

شارك بتعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *