حكاية منصور

في المرحلة الابتدائية من مدارس تحفيظ القرآن وبُعَيْد فترة حرب الخليج، كان لزاماً على الطلاب تعلّم ما تيسّر من أجزاء القرآن الكريم، ابتداء من سورة الناس في الصف الأول، وانتهاءً بسورة الكهف حفظاً وكامل القرآن الكريم تلاوة بنهاية الصف السادس.


كانت مهمة شاقة بالنسبة لكثير من الطلاب، فقد كان العُرف أن يختار الأستاذ ركناً من أركان الصف لتبدأ معه سلسلة القراءة حفظاً أو تلاوة. فَيَلْهج لسان الطالب الذي وقع عليه الاختيار بالقراءة وقلبه يدق منتظراً الكلمة السحرية “حَسْبُك” والتي تعلن اكتفاء الأستاذ بما قُرِئ وإيذاناً للطالب التالي بإكمال المسيرة. وعلى الرغم من معرفة جميع الطلبة بترتيب القراءة، إلا إن الغالبية كانوا على أهبة الاستعداد لإكمال الآية التالية في أي لحظة، فكثيراً ما يختار الأستاذ طالباً بشكل عشوائي ليكمل الآية وليتأكد من عدم انشغال الطلبة بغير الإنصات لقراءة زميلهم. 


فلم يكد يخلو يوم لا يهوي فيه سوط على قدم طالب مُقَيد بشماغه أو ممسوكاً بِمِمَّن آتاهم الله بسطة في الجسم من زملائه. ففي تلك الأيام، كان ضربُ السياط والجلد بسلك الكهرباء أو بلَيِّ الغاز قَدَرَاً لا مفر منه حتى لأكثر الطلاب اجتهاداً. فقد كان شيئاً أشبه بالسراط، كلٌ يأخذ منه بقَدْر فِعْلَتِه فلا ينجو منه أحد. 

أثناء رحلة دراستي في تلك المدرسة، رافقت طالباً اسمه منصور، كان إلى البلادة أقرب. وكان منصورٌ على عكس أخيه، لا يحفظ النصوص ولا يحل الواجبات، غير عابئ بما يحيق به من ويلات وثبور من أساتذة المدرسة. فقد كان موفور الصحة مكتنز اليدين وفي قدميه شيء كالحراشف من أثر اللعب تحت الشمس. وكان لمنصور حيلة صغيرة قلَّ أن تُجْدي نفعاً في إخفاء ما بِحِفْظِهِ من قصور، فقد كان وقت التسميع يخفض صوته متمتماً بنصوص الأدب وآيات السور آملاً أن يقلل ذلك من فرص اصطياد اخطائه ومقدار عقابه…ولكن هيهات.

واستمر الحال على هذا المنوال طوال فترة المرحلة الابتدائية، حتى بات عقاب منصورٍ أسبوعياً أمراً مسَلّماً، بل ومثار السخرية بين أقرانه. وفي يومٍ من أيام الفصل الدراسي الثاني من الصف السادس الابتدائي، كان الدور على منصور ليُسمِّع بعض الآيات من سورة الكهف. فبدأ الطلاب في آخر الفصل يتهامسون فيما بينهم استعداداً لإلقاء الدعابات على المشهد التقليدي لتوبيخ الأستاذ لمنصور. ولكن -وعلى عكس المتوقع- قرأ منصورٌ بصوت مرتفع وترتيل مُطْمَئن كما لم يَقرأ من قبل. فحدّق الجَمْع مشدوهين من هذا التَغَيّر المفاجئ ومتسائلين فيما بينهم أين كان يخفي ورقة البرشامة. ما زلت أتذكر انفراج أسارير الأستاذ حينما فرغ منصور من التسميع يومها. وقد كان ذاك الأستاذ حصيفاً حليماً قريباً من الطلبة [لم يكن الضرب مسألة شخصية وقتها]. فأثنى على قراءة منصور ثم بادره بالسؤال عن سر جودة حفظه، فانتشى منصور قبل أن يجيب بسعادة طفل بأنه كان يقرأ سورة الكهف مع والده قبل صلاة الجمعة من كل أسبوع. 

لا أزال أذكر بريق عيني منصور ذلك اليوم وما تلته من أيام، فقد جلس كالفاتحين على مقعده، معاوداً الكرّة مرة بعد مرة، ليس فقط في سورة الكهف وما تلاها من سور، بل وحتى في بقية حصص النصوص والمطالعة. واستمر حتى نهاية العام الدراسي شخصاً آخر غير الذي عهدناه. 


———————–


لا أعرف حقاً ما حل بمنصورٍ بعد ذلك، ولكني أؤمن أن هناك منصوراً في حياة كلٍ منا، يتظاهر بالجلافة واللامبالاة من الخارج ولكنه يتوق في داخله إلى كلمة الشكر والعرفان ليفجر ما بداخله من طاقة الإبداع. فرُب كلمة [شكرٍ] لا نُلقي لها بالاً …تصنع في الساحة نجماً كمنصور. فلا تبخل بالشكر لمن تَعرفُ يقيناً أنهم يتطلعونه منك.. وأجزل الثناء دون مبالغة لمن يستحق. 




عبدالله
(عدد الزوار 162 , 1 زائر اليوم )

شارك بتعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *