الدقيقة ٩٠

“إليا اتبعت المشكلة حبلها طال.. وصارت تلفك مثل لف المحالة

وليا قصرت حبالها صح من قال.. على ولد عشرين مابه وكالة”

الشاعر مصلح بن عياد

على الرغم من كوني ضمن الطلبة الأوائل من كل عام، لم تكن المرحلة الثانوية برداً وسلاماً عليّ بأي شكل من الأشكال. فقد كنت في حرب باردة دامت عدة سنوات مع أحد إداريي تلك المدرسة. كان الإداريُّ يرى فيني متمرداً مزهواً بنفسه، وكنت أرى فيه متجبراً يسيء استخدام السلطة. ولم يخلُ أسبوعٌ دون أن تكون هناك مناوشاتٌ خفيفة، كتفتيشٍ مفاجئٍ لحقيبتي، أو مطالبةٌ بقص الشعر، أو إعادة الوضوء بشكل صحيح قبل الصلاة. وكنت أردُّ بالمقابل بترك بعض المخالفات الصغيرة تمرُّ أمامي دون أن أشِيَ بفاعلها، فقد كنتُ عريف الفصل وقتها. وحينما يروق لي المزاج أو لا تروق لي المادة، فقد كنت أقدم بعض الهِبَات في شكل تمرير همْسَات لبعض الرفاق أثناء الاختبارات لتحل غيثاً على الورقة البيضاء فتُنْبِت بعض العلامات والدرجات.

وفي يوم من الأيام..في صباح الإذاعة المدرسية تحديداً، وقع حدث أدى إلى تغيّر جذري بعلاقتي بذلك الإداري إلى الأبد. فأثناء الإذاعة الصباحية، وبعد انتهاء كل الفقرات، أخذ الإداري اللاقط الصوتي ليقول شيئا ما، ولكن في كل مرة يتحدث، كان هناك ضجيج كالصفير يخرج من مكبرات الصوت. لم يرق ذلك له بطبيعة الحال، ولكنه كان مثار الضَّحك بين طوابير الطلبة الواقفين أمامه. ومن سوء حظي يومها بأني كنت أول طالب في أقرب صف إلى منصة الإذاعة حيث يقف. ويبدو أنه قرر خرق قوانين الحرب الباردة الغير مكتوبة ليصنع مني كبش فداء يعيد به هيبته أمام الجميع.

فوقف أمامي صارخا بأن أرمي العلكة من فمي. نظرت إليه باستغراب وأخبرته بأني لا أمضغ شيئا. انهال علي بعدة شتائم أنهاها بأن أسلم شارة عرافة الصف، وبأن أقف بقية اليوم أمام مكتبه.

كان ذلك كثيراً بالنسبة لي، فقررت بما أني لن أحضر أي حصة لهذا اليوم، فلربما من الأفضل أن أذهب إلى البيت. وهكذا كان. أخبرت الإداري بوجهة نظري وحملت كتبي المربوطة بشيء يشبه الحزام المتقاطع متجها إلى الباب الخارجي غير عابئ بصراخه. ولحسن الحظ، لم يكن المنزل بعيداً، ولم تكن الشمس ساخنة.

حينما رجعت إلى البيت وجدت وجه أمي الممتقع ينتظرني، فقد اتصل بها ذاك الإداري ليخبرها بأني “انحشت” من المدرسة.

انحشت!… أنا؟ متى؟ النحشة فعل لصوصي يكون بالتسلل خفية من خلال ثغرات في الجدار الأمني للمدرسة. أما أنا فقد أعلنت عدم رغبتي بالبقاء وخرجت من الباب الكبير دون أن يعترضني أحد. لن أسمح لك يا عزيزي بإفساد بطولتي وإفساد حكايتي التي سأحكيها طويلا أمام أصدقائي. لن أغفر لك تشويه سمعتي أمام أمي. لقد ضربتني تحت الحزام، وستلقى الجزاء نفسه قريبا.

في اليوم التالي، لم يحضر الإداري إلى المدرسة، وانتشرت إشاعة مفادها أنه شوهد صبيحة اليوم منهمكاً بإزالة أجسام غريبة التصقت بزجاج سيارته مستخدماً في ذلك أدوات تنظيف كلفته بعض المال وعدة ساعات من العمل الشاق على الأرجح. كان ذلك قَدَراً عادلاً لا دخل لي به.

هدأت الأوضاع بيني وبينه منذ ذلك اليوم وانتهت أزمة خليج كوبا أو هكذا حسبت إلى أن استلمت شهادة نهاية الفصل الدراسي. فقد وجدت أن كل الدرجات كانت كما توقعتها، باستثناء درجة السلوك. فقد كانت أبعد ما تكون عن الكمال. وحينما سألت عن ذاك الإداري لمناقشته عن تلك الدرجة (فقد كانت من مسؤولياته)، علمت أنه غادر البلاد بلا رجعة. شعرت بالكثير من الحنق حينها لأنه لم يترك لي مجالاً للرد. فقد أحرز فيني هدفا قاتلاً في الدقيقة الأخيرة، في الدقيقة التسعين تماماً.

تلك أيام مضت، كنت فيها متمرداً مزهواً بنفسي فعلاً. ولولا صبر ذاك الإداري عليّ -بل وربما صبر مجتمع المدرسة بأسره- لما صرت اليوم أستاذاً جامعياً. وحقيقة، حينما أرى أمامي طالباً يتأخر عن المحاضرة، أو آخر يحادث زميله أثناءها، فكل ما أراه هو ذاتي المتمردة التي صبر عليها المجتمع كثيراً. ولا أستطيع حيال فعلهم إلا أن أكون كذلك بدوري، منتظراً اللحظة المناسبة لتقديم درس علّه يبقى في ذاكرتهم فيقوِّم سلوكهم، دون أن يُطيح بمستقبلهم.

(عدد الزوار 267 , 1 زائر اليوم )

شارك بتعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *