قبل ثلاثين عاماً، وفي بيت صغير امتلأ حباً في أحد الأحياء القديمة بمدينة الرياض، كان هناك منزل جدٍ وجدةٍ. كان واقع ذلك البيت لا يختلف كثيراً عن واقع الحياة في كثير من البيوت حقبة الثمانينات، فثمة أطفال يلعبون بأي شيء وكل شيء تقريباً، ويلهثون جرياً تحت الشمس عابثين بما يجدون من حِبالٍ وكُراتٍ وقططٍ رماديةٍ مقطوعة الأذيال. وُيطْبقون الصمت المُجِلّ حينما يدخل -الجد- رب البيت بطوله الفارع ولحيته الحمراء المخضبة بالحناء. فيعم الخشوع أجواء المنزل حتى يذهب لأداء الصلاة أو لقضاء حاجة من الحوائج، فيعود الضجيج للفناء الصغير من جديد.
وكانت الجدةُ على عكس صورةِ الجد، حنوناً حالمةً، تجول البيت بشالها وتفوح من يدها رائحة حناء عطرة. وعند هجعة الليل، يجتمع أبناؤها وأحفادُها تحت جناحها لتحكي لهم قصص الجن والعفاريت والحيوانات المسحورة، قصصاً عَرَفَ الأبناء فيما بعدُ أنها خليطٌ من خيالها الخصْب وقصصِ ألف ليلة وليلة.
كان الجد والجدة من جيلٍ اعتاد على الكسب بيده و تنويعِ مصادرِ رزقه، فبالإضافة إلى “بندق الحرس”، كان بيع محصول التمر المكنوز “للشيوخ” وذوي الجاه من أهم مصادر الدخل عند الكثير من الأسر في منطقة نجد. كانت عملية كنز التمر مسألةً حياتيةً تُجَنِّد لها الأسر بضعة أشهر والكثير من المال كل عام، فموسم تمر جيد يعني في كثير من الأحيان عاماً رغَداً فيه يغاث أهل البيت وفيه يعصرون.
فكان الجد، حين يجيء موسم صَرْم النخل/الخَرَاف، يذهب إلى بعض المزارعِ المعروفةِ بحسن عنايتها بنخلِها وتمرِها فيشتري -بما جاد الله عليه من مال- تمراً يضعه في كراتين الموز وبعض المَحَافِر (جمع مِحْفَرَة وهو شيء أشبه بالسطل أسود اللون مصنوع من البلاستك القوي) بُغْية تحويلها إلى تمر مَكْنُوز؛ لبيعها بعد ذلك بربح ينفقه على أهل بيته.
وفي يوم جَلْب التمر، تدخل سيارةٌ مُحَمَّلةٌ به من المزارع، فتكون بذلك إيذاناً بانتهاء موسم لعب الكُرَة والغُمَّيْمَةِ حتى إشعار آخر. فقد كانت حمولة التمر الرطب “تُنْشَرُ” في الفناء مغطيةً معظم أجزائِه وتاركة مساراً بالكاد يكفي للعبور؛ فيبقى التمر على هذه الحال قرابة أسبوعين تحت الشمس ليتبخر معظمُ ما به من الماء. كانت عملية تنشيف التمر أمراً ضرورياً حتى لا يتعفن لاحقاً في مرحلة الكنز النهائية.
وبتبخر الماء، تبدأ بعد ذلك مرحلة تَقْمِيْع التمر (إزالة قمع التمرة) واستخراج ماكان رديئاً منه كالحَشَف والمُنْهَرِسَة. فكان الجدّ والجدّة يسيرون بين الأبناء والأحفاد بالتوجيه شاحذين للهمم مرددين “بعدي يابوي”.. كان لتلك العِبارةِ تأثيرَ السحرِ في إعادة لهيب الحماس في القلوب الصغيرة ليعملوا بلا تعب أو تبرم. وعلى الرغم من تضافر جهود أهل البيت من أبناء وأحفاد، إلا أن العملية كانت تأخذ جهداً ووقتاً يقضي على جلِّ النهار باستثناء ساعةِ اشتدادِ الشمسِ من الظهيرة، حيث كان الجميع يتوقف لتناول طعام الغداء، فيجيءُ الأبناء والأحفاد راكضين من كل صوبٍ لِيَتَحَلَّقوا حول سفرة الجدة شاعرين بالرضى عمّا صنعته أيديهم الصغيرة، ومبتهجين بكلمات المديح والثناء من الجد المهيب.
ومع كل هذا، لم تكن كل الأيام وردية، ولم تكن كل تصرفات الأطفال مثالية، ففي يوم من الأيام، وأثناء فترة نَشْرِ التمر، قرر الأطفالُ استغلالَ غياب جميع الكبار في البيت ليلعبوا كرة القدم في إحدى زوايا الفناء، وفي غمْرةِ حماسةِ اللعب، سمع الأطفال صوتاً يقترب من مدخل البيت، فهرعوا يختبئون في المجلس عارفين بما سينالهم من عقاب إن أمسك بهم الجد وقد عبثوا باستثمار الأسرة (التمر). وبترقب حذر، نظر الأطفال من فتحة نافذة المجلس المطلة على الفناء؛ ليروا الجد يدخل البيت، ومتجهاً بشكل مباشر إلى التمر المنشور…فوجد ما وجد به من آثار العبث، فعاد الجدّ -معقود الحاجبين- إلى مكان الكرة بجوار الباب ليلتقط “مِحَشّاً” كان يستخدم لقطع أطراف الشجر، فضربَ به الكرةَ الجلديةَ ضربةً واحدةً مزقتها. وعاد ليواصل السير ولسانه يلْهجُ بذكر الله بصوت مرتفع. لم يقل الجد شيئاً للأبناء.. ولم يقل الأبناء شيئاً كذلك، فقد كان الجزاء من جنس العمل وانتهى عند ذلك.
بعد انقضاءِ فترة تجفيف التمر، كانت تبدأ المهمة النهائية.. وقد كانت من أهميتها أن الجدّين لا يتنازلان عن الإشراف المباشر عليها منذ ساعات الفجر الأولى، فقد كان التمر يُجْمعُ في مكانٍ واحدٍ ليُنْقعَ في قدور كبيرة مليئة بالماء البارد والملح لوقت وجيز ليُجَفَّفَ بعدها من الماء في “شبوك” كبيرة. تكمن خطورةُ هذه المرحلة في التوقيت، حيث يجب غسْلُ التمر بما يكفي فقط لإزالة ما به من عوالق، ولكن ليس للحد الذي تسقط معه قشرة الثمرة ذاتها. وبعد كل ذلك، كان التمر يُعَبَّأ في أكياس ويربط بحبل الخيش ليُرَصَّ بعد ذلك بعضه فوق بعض ثم توضع قِطَعُ البلوك الثقيل فوقه في زاوية الفناء، ويبقى التمرُ على هذه الحال شهراً إلى شهر ونصف حيث يقلب فيها التمر ليتساوى الدبس في الكيس بين حبات التمر، فتخرجُ التمرة ذات بريق أخَّاذ وطعم لذيذ وكثافة بين الليونة والصلابة قواما.
ولقد كانت علامة نضوج التمر هي أن يبدأ الدِّبْس النازف من فوهات الأكياس المحكمة بالجمود (يِحَثْرِب/يِجَرْوِش)، فيزيح الجد – ولا أحد غيره- البلوك عن أحد الأكياس فيشقه بسِكِّيْنه ليتذوق منه تمرة وسط ترقب أهل البيت، فتسأله الجدة -أم عياله-: “بَشّر؟” وبعد لحظات من الصمت؛ كانت تمر كالدهر على الجميع.. ابتسم الجد راداً بكلمة كان لها وقع موسيقيٌ على قلوب أهل بيته:”كنه حلاو”..لينْشُر بذلك أجواء الفرح في البيت الصغير، ومعلناً نهاية موسم “كنزٍ” آخر بنجاح.
وتمضي السنين وتنقضي الأعوام، ويكبر خلالها جيل الأبناء لينخرطوا في شتى مناحي الحياة، فمنهم من انضم مبكراً إلى صفوف العمل، ومنهم من اغتنم نعمة وطن كريم ليجوب بقاع الأرض طلباً للعلم والمعرفة، أما الجدّ والجدّة، فقد انتقلا إلى جوار رب كريم، وحلَّت محلّ صناعةِ المكنوز اليدوي آلاتٌ حديثةٌ تُعدُّ أطناناً من التمر بسرعة وخِفّة يستحيل تحقيقها بالطريقة اليدوية – وإن لم تكن بنفس الجودة- فامتلأت الأسواقُ بالمنتجِ السريع تلبيةً للطلب المتزايد على المُنتَجِ المحلي العريق.. ومعلنة في الوقت نفسه، انتهاءَ حُقْبةٍ زمنيةٍ ثريةٍ بالتفاصيل المنْسِية عن جيل جدٍّ وجدّةٍ عركتهم الأيام وعركوها… جيل كتمرته …”كنه حلاو”.


