قبل أن يغادر المولود السعودي مستشفى ولادته، تُؤخذ منه بضع قطرات دم من كعبه الصغير. لحظة عابرة لا تكاد الأم تنتبه لها وسط فرحة القدوم، لكنها قد تكون الفارق بين طفل ينشأ سليما وآخر يدفع ثمن تشخيص تأخر أسابيع أو شهورا. برنامج الفحص المبكر لحديثي الولادة في المملكة من أهدأ إنجازات نظامنا الصحي وأبعدها أثرا؛ يعمل في صمت منذ سنوات، ويلتقط عشرات الحالات سنويا قبل أن تتحول إلى إعاقة أو وفاة.
وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية في يونيو من هذا العام تقريرا تقنيا بعنوان “تعزيز القدرات في فحص حديثي الولادة وتشخيص وإدارة التشوهات الخلقية“، يقدم إطارا تشغيليا عمليا للدول لدمج فحص المواليد لعدد محدود من الحالات ذات الأولوية ضمن أنظمتها الصحية الوطنية. وحجة التقرير بسيطة وموجعة: كلما تراجعت وفيات الأطفال الناجمة عن الأمراض المُعدية، ارتفعت -نسبيا- حصة التشوهات الخلقية من هذه الوفيات، حتى صارت عبئا لا يُحتمل تجاهله.
غير أن جوهر القضية ليس في وخزة الكعب. فالوخزة أسهل ما في المنظومة. فالفحص المبكر وحده لا ينقذ طفلا، وإنما ينقذه ما يلي ذلك من مسار تشخيصي وعلاجي متكامل. ولهذا تؤكد منظمة الصحة العالمية أن برامج فحص حديثي الولادة لا ينبغي أن يبنى حول المختبرات والفحوصات وحدها، بل حول سلسلة رعاية متكاملة تمتد من الفحص إلى التشخيص، ثم العلاج، فالمتابعة طويلة الأمد. فحص المواليد ليس اختبارا مخبريا، بل سلسلة رعاية طويلة، وأي حلقة تنكسر فيها تُسقط الطفل من بين يديها. وبعين المعلوماتية الصحية، هذه هي الحلقات التي تصنع الفرق:
١. سجل وطني يجمع نتائج الفحص في مكان واحد، لا ملفات متناثرة بين المستشفيات.
٢. مسار إحالة واضح ينقل الحالة الإيجابية من المختبر إلى الطبيب المختص دون أن تضيع في الطريق.
٣. نظام متابعة يتتبع الطفل عبر السنين، لا يكتفي بلحظة الفحص ثم ينساه.
٤. ترميز موحد للحالات يتيح للأنظمة أن تتحدث لغة واحدة وتتبادل البيانات بلا لبس.
٥. مؤشرات أداء وطنية تقيس رحلة الطفل كاملة؛ من ظهور النتيجة إلى تأكيد التشخيص، ثم بدء العلاج واستمرار المتابعة، بدلا من الاكتفاء بعدد العينات المفحوصة.
وليس معنى هذا التقليل من شأن التوسع في قائمة الأمراض المفحوصة أو تحديث أجهزة المختبرات؛ فلكل ذلك أهميته. إلا أن تقرير منظمة الصحة العالمية يعيد تعريف الأولوية؛ فهي ليست في عدد الأمراض التي يشملها الفحص، وإنما في قدرة النظام الصحي على مرافقة الطفل منذ اكتشاف حالته وحتى اكتمال رحلة علاجه. فالتجارب الدولية تشير إلى أن أضعف حلقة في أي برنامج فحص ليست في المختبر، بل فيما بعده: في الأطفال الذين يغيبون بين مراحل الرعاية لأن البيانات لم ترتبط، أو لأن الإحالة توقفت، أو لأن المتابعة انقطعت.
المملكة قطعت شوطا تحسد عليه في رقمنة قطاعها الصحي. وأحسب أن المرحلة التالية من تطور برنامج الفحص المبكر لن تُقاس بعدد الأمراض التي نضيفها إلى قائمة الفحص، بقدر ما تُقاس بعدد الأطفال الذين نضمن ألا يفقدهم النظام بين الفحص والتشخيص والعلاج والمتابعة. فالفحص المبكر وحده لا ينقذ ذلك المولود؛ وإنما ينقذه نظام صحي لا يدعه يسقط بين حلقات منظومة الرعاية.


